لندع امرأة عربية تقود الطريق داخل الأمم المتحدة

تقوم الأمم المتحدة بإنشاء هيئة موحدة لتعزيز المساواة بين الجنسين – فمن يمكنه قيادتها أفضل من امرأة عربية متحمسة؟

بقلم هباق عثمان

عندما يُكتب تاريخ النضال العالمي من أجل مساواة المرأة، قد يُذكر عام 2010  باعتباره العام الذي بدأت فيه الأمم المتحدة تعمل على استغلال كامل إمكاناتها. فالجمعية العامة تقوم حالياً بدراسة التعديلات التي سيتم إدخالها على تلك الشبكة المعقدة من الوكالات والمكاتب والبرامج التي تعمل على تعزيز مساواة المرأة وذلك لإنشاء “كيان موحد للجنسين” بميزانية موسعة، يرأسها مسؤول تنفيذي برتبة وكيل أمين عام.

إن القيادة الموحدة لجهود الأمم المتحدة لتحقيق المساواة بين الجنسين سوف تسمح للحركة النسائية بالتحدث بصوت واحد حول القضايا العالمية الأكثر إلحاحاً. ولكن من ينبغي أن يقودها؟ إن اختيار شخصية تقدمية ومخضرمة في مجال حقوق المرأة من المنطقة العربية سيقطع شوطاً طويلاً نحو الاعتراف بالخطوات الكبيرة التي قام بها الناشطون في المنطقة تجاه تحقيق المساواة – وهي إنجازات غالباً ما يتم تجاهلها في الداخل وإغفالها في الخارج. ولنتأمل بعضها:

في المغرب، سارعت الجماعات النسائية بالاستفادة من الميزة بعد إدخال إصلاح هام على قانون الأحوال الشخصية بالبلاد وزيادة حصة مقاعد النساء في مجالس المدن من 0.56٪ إلى 12٪. وتسابق ائتلاف من الجماعات النسائية للمرشحات الميدانيات، مما أدى إلى انتخاب أكثر من 3000 امرأة في المجالس البلدية في جميع أنحاء البلاد في عام 2009، فزن ﺑ 16٪ من المقاعد. وعلى الرغم من أن نظام الحصص قد لا يكون مثالياً، إلا أنه أداة هامة تمهد الطريق للجيل القادم من القيادات السياسية النسائية في المغرب.

في عام 2008، اتخذت تونس خطوة رئيسية نحو تحقيق المساواة للمرأة، بعد الجهود المتضافرة الضاغطة التي مارستها الجماعات النسائية، عندما صدقت على البروتوكول الاختياري لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو). يسمح البروتوكول للمرأة بتقديم شكاوى التمييز بين الجنسين بشكل مباشر إلى لجنة سيداو إذا كن بالفعل قد استنفدن سبل الانتصاف المحلية الممكنة، لإعطاء المرأة أدوات جديدة للإبلاغ عن انتهاكات حقوق الإنسان وتقديم حكوماتهن للمساءلة.

في العام الماضي نظمت كفى، وهي منظمة غير حكومية لبنانية، تحالفاً للجماعات النسائية المحلية ومنظمات المجتمع المدني لحشد الدعم لاعتماد مشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري الذي صاغته. وقد وافق مجلس الوزراء في نيسان/أبريل على مشروع القانون الذي يوسع إلى حد كبير من نطاق الحماية الممنوحة للنساء ضحايا العنف المنزلي، وأحاله إلى البرلمان للتصديق عليه بفضل استراتيجيات كفى المتواصلة لتقديم الدعم: ورشة عمل برلمانية و300 لوحة إعلانية و50 ألف رسالة نصية وعروض تفاعلية على المسارح العامة وتشجيع لجان المرأة في كل حزب سياسي لحث المرشحين على دعم مشروع القانون.

كما حدث أيضاً تقدم كبير في الكويت، حيث ارتقت النساء من عدم القدرة على التصويت أو شغل المناصب السياسية في عام 2006 إلى الفوز بأربعة مقاعد (12٪ من المجموع) في انتخابات 2009 البرلمانية. ورغم أن أربع عضوات في البرلمان قد لا يبدو بالشيء الكبير، إلا أنه أضحى نمطاً مألوفاً أن تصبح هؤلاء الرائدات الأوليات بمثابة جسر يعبر عليه الجيل القادم والأكبر من القيادات النسائية، ليقمن بدور قوي في الدفاع عن حقوق المرأة في الحكومة.

وراء هذه السلسلة من الانتصارات زعيمات قويات نابضات بالحياة لديهن الشجاعة لتحدي مجتمعاتهن وطلب التغيير. ولنأخذ على سبيل المثال الصحافية السودانية لبنى حسين، التي نجحت في عام 2009 في رفع درجة الوعي الدولي تجاه القوانين التعسفية في بلدها بعد إلقاء القبض عليها لارتدائها السراويل في الأماكن العامة. كان يمكن للصحافية أن تدع التهم تسقط تلقائياً بحكم كونها موظفة في الأمم المتحدة. ولكن بدلاً من ذلك، تخلت عن حصانتها ووقفت في وجه هذه الاتهامات في المحكمة، لتسلط الأضواء العالمية على قوانين الآداب العامة التي تنطوي على التمييز في السودان.

ولنأخذ الدكتورة هيفاء أبو غزالة، عضوة مجلس الشيوخ في البرلمان الأردني، وهي مناصرة لا تكل تنشط في مجال الإصلاح التشريعي، وتعميم مراعاة المنظور الجنساني والبحث في كيفية تأثر المرأة بديناميات الصراع العنيف في المنطقة وإمكانية عكسها.

وأخيرا  لننظر إلى الدكتورة لطيفة جبابدي، التي على مدى أكثر من 35 سنة من العمل كناشطة، عانت الاعتقال كسجينة سياسية، وترشحت لمنصب الرئاسة، وشاركت في تأسيس العديد من منظمات حقوق الإنسان. في عام 2007، تم انتخابها لمجلس النواب المغربي، وقد وعدت بمواصلة النضال بعد الانتصارات التي تحقق من حيث تأمين حق المرأة في الطلاق من زوجها وطلب حضانة أطفالها.

باختصار، لم تعد المرأة العربية مجرد مستفيدة من الحركة النسائية العالمية التي تجيش في العواصم الأجنبية، فهي تأخذ بزمام المبادرة في وطنها وفي إقليمها، وبصورة متزايدة، في جميع أنحاء العالم. إن المرأة العربية التقدمية أكثر من مؤهلة لإدارة الكيان الجنساني الجديد الذي تنشئه الأمم المتحدة، فهي بلا ريب تجسيد للغرض منه والإلهام الباعث إليه والتأثير المتولد عنه. مع هذا العدد الكبير من القيادات الموهوبة التي لا تعرف الكلل ولا الخوف في العالم العربي، فإن السؤال الأصعب ليس ما إذا يمكن اختيار امرأة العربية لقيادة هذا الكيان الجنساني الجديد، ولكن السؤال هو أيهن.